الجمعة، 5 فبراير 2021

النجار.. واستمرار الفتنة

عبدالرحيم كمال


فاتنٌ هو "أحمد فتحي النجار" في كتابته وأسلوب قَصِّه.. اكتشفت مايخبئه في نفسه من كنز ثمين عندما كنا نعيش ونعمل في الدوحة القطرية العزيزة.. كنزه هو تلك الموهبة الكبيرة التي ألقاها الله في نفسه وتسيل على سن قلمه قصصا قصيرة.

في قصته المرفقة "سكان لِحمة" يخطو إلى الأمام خطوة جديدة، يخلط الخيال بالواقع ويمزج بينهما حتى أن المتلقي لايستطيع التفريق بينهما ولايعرف أين بداية كل منهما أو نهايته.. وصف الأرانب بالملائكية، أو وصف الملائكة بالأرانب –انطلاقا من اللون الأبيض للأرانب- هو وصف جميل وموفق.. لكن الأهم هو اعتماده في البناء الفني على رمزية نزول الملائكة والشياطين واتخاذهم من قرية أو بلدة "لِحمة" ساحة للصراع على قلوب البشر.. الفكرة تعود بي إلى لبنان الجميل الذي تتصارع فيه الملائكة والشياطين وتسحق المعركة رؤوس اللبنانيين في معارك لاناقة لهم فيها ولاجمل، بعدما تحول وطنهم إلى ساحة لـ "ضرب النار".


أسعدتني قصة "أحمد النجار" وأسعدنى مافيها من فكر.. وهو ماأنتظره منه دوما.. لكنني مازلت أشير إلى كثير من لأطاء الللغوية وبعض الأخطاء الأسلوبية التي تحتاج كثيرا من الجهد للتغلب عليها.
أحمد فتحي النجار



ســــــكان لِـحمـــــــــــة
قصة قصيرة
بقلم:
أحمد فتحي النجار

عندما رأيت سحارة جدتي ملقاة في كومة من النفايات تأثرت كثيراً لمآلها، وكاد قلبي يذوب شوقاً ولوعة لفراق جدتي رحمها الله، ركبت أرجوحة الذكريات، وكدت أسمع نبرات صوتها البواح، وهو يسترسل في قص الحكايات التي كثيراً ما كانت تتوتر منها أعصابي وتعتريني القشعريرة، لم أنس أبداً تلك الحكايات المثيرة التي جعلتني على الدوام أكثر حذراً، بل وخوفاً عندما يحل الظلام، وعندما تتلون قلوب الناس بالأسود الغطيس، لقد أورثتني تلك الحكايات عادة الالتفات للخلف خشية صفعة شبح يقظ عند ناصية يتربص بي في الظلام، ولم تفارقني تلك العادة حتى بعدما قاربت الأربعين، وانزوت الأشباح، أو إلتبست ببعض شرار البشر.

بالقرب من تلك الخزانة العتيقة المصنوعة من الخشب وبعض المعادن، تلك المزخرفة بإتقان كالتحف النوادر، والتي كانت تحوي في داخلها الأعاجيب والسحر والكثير الكثير من الأساطير، كانت تفيض الخرافات وغرائب الحكايات مما لم يمكن لصغير مثلي إلا أن يصدقها، وكيف لا يصدقها وهو يرى الصدق والبراءة على وجوه رواتها الذين يكابدون الحياة وتكابدهم، وقد دهمهم الواقع بمرارته، مما يعجزهم عن الترحال بعيداً عن واقعهم.

لمست السحارة، فأصابني دوار كالسحر، وانعكست على مرايا مقابضها النحاسية أشعة الشمس، فأغلقت عينيّ مجبراً، وكدت أغفو، وعندما فتحتهما وجدت الشعاع قد حملني وألقى بي في ركب من الماضي السحيق، كان جدي الأعظم شوطح، رغم كِبَر سنه وإنحناءة ظهره، رجلاً غليظاً يزعق في بعران الركب أن تهم بالسير، فتنطلق البعران بسرعتها القصوى من خشيته، وترتبك الهوادج من شدة اهتزازها فوق ظهرانيها، فيبكى الصغار وتتألم الجدات والعمات ويصدرن أنيناً خافتاً، ثم لا يلبثن أن يكتمنه تماماً مخافة العقاب والعذاب الأليم، وكان جدي في نصب معذوراً، يأمر البعران بالسرعة مخافة غدر العطش الذي دنا من سحق صغيرٍ من أولاده أو واحدة من نسائه، بعدما عزّ الماء وانحسر في القدور، وبعدما قضى الجفاف والجدب بصحراء النقب من ورائه، على الكثير من البشر والدواب، وأجبر القابضين على الحياة على النزوح إلى حيث الماء بالوديان وبالقرب من ضفاف نهر النيل.. عندما اقترب المساء كان النصب قد تمكن من الرجال والعيال وأرهق البعران فجعلها تخر في مكانها كالصرعى بِلِحمة، ليلتحف الجميع الليل حتى الصباح، فيعاودون السير نحو مقصدهم.

حط الركب في مكان الوسط من لِحمة، وتصارع سكانها على الضيوف، في يمينها اتخذ الملائكة ببهائهم وملابسهم البيضاء النقية موطناً، وعلى شمالها كان الأبالسة يقيمون مآتمهم الغوغائية ويلعنون اللحظة التي رأوا فيها هذه الوجوه.

كان طبيعياً أن يغط الركب في نوم عميق، وكان غير طبيعي أن يمضي جدي شوطح - ذلك الكهل الذي انحنى ظهره، وابيض شعره- ليلته في نشاط وانشغال وسهر دون ثمة إرهاق أو شكوى، فقضى ربع الليل يفتش عن الماء ليسقي الصغار، وعن الكلأ ليطعم البعران.

كانت الملائكة ترصد حركته عن قرب وتتقافز أمامه كالقناديل، لتهديه مواطن الماء والكلأ، فاكتشف في غيض ساعة اثنتي عشرة عيناً من الماء الفرات واجترع منها ما ابتلت منه عروقه حتى الارتواء، واغترف من أعذبها ما امتلأت به كافة القدور، بعدما روى كل الصغار والدواب.

كان ماء العيون وفيراً غزيراً، فأغراه أن يتطهر من دنس الطريق، وأن يصلى للرحمن ركعتين أن هداه لذلك النعيم، فما أن قضى من الصلاة حتى أشعل الأبالسة عيناً من الجحيم، وأنبتوا أمامه شجرة عملاقة من الحنظل وألقوا على عينيه السحر فظنه فاكهة الجنان، وانطلق ليقطف منه ما استطاع وليأكل منه ما يسد جوعه، فداهمته حربة غاضبة من حراب الملائكة المستاءة من ذلك الصنيع فأصابت قلبه، فخر صريعاً.

في الصباح وارى الصغار أبيهم في ثرى لِحمة، ووضعوا عند رأسه حجراً منقوش عليه قتيل الملائكة، وآثروا البقاء بأرضها قريباً من ضريح أبيهم، قريباً من الكلأ والماء.

ازدادت الملائكة غضبا، ومع الأيام ارتأت عدم البقاء فغادرت لترقبهم من أعالي السماء، اتسع المكان لآل شوطح وللشياطين تعبث برؤوسهم، فلا تكاد تترك الأخ منهم قبل أن يطيش برأس أخيه، وتختار خيارهم أزواجاً وأصهاراً، وعندما عم الفساد رأى أكبر أبناء شوطح، أن يقرب المقتدرين منهم القرابين، وأن يتبتل ما استطاع أن يتبتل لرب العالمين، فنحروا وأطعموا الطعام، وانهمك البسطاء منهم في حلقات ذكر لا تنفض، يؤدون طقوسهم ويطمعون في خلاص عز كثيرا، ويشعلون أرضهم ليلاً بالقناديل والشموع.

استمر الأبناء والأحفاد على هذا الحال يوماً تلو اليوم، وأسبوعاً تلو الأسبوع وعاماً تلو العام، يمارسون طقوسهم، حتى الملل واليأس، فلا ملائكة تعود، ولا شياطين ترحل.

عندما هبت الريح الشمالية غلبت يدي وأغلقت الصندوق العتيق بشدة، فانتبهت مرتاعاً لشدة الإصطكاك وارتفاع الصوت، فدهمني الواقع.

كان الوقت قد اقترب كثيراً من المساء، وكانت نساء لِحمة كالعادة يحملن موائد القرابين، ويشعلن القناديل والشموع، حول الرجال المنهمكين في حلقات الذكر، ويلقين أنواعاً من البخور فوق كومات من الحطب المشتعل لينطلق الدخان وينتشر العبق مع ذرات الهواء .

عندما انقضى نصف الليل وانفض الرجال وهجعوا في مضاجعهم كانت مجموعات من الأرانب البيضاء تطوف حول بيوت لِحمة وفي شوارعها، وتطارد من يخرج من داره، ثم سرعان ما تختفي بعدما تتحقق أنه قد أصابه الذعر، ظن أهل لِحمة بهذا أن الملائكة عائدون قريباً، ولكنهم عندما كان يحل النهار كانوا يسلمون آذانهم لوسوسة الشياطين ويأكلون الحنظل النابت في مرابعها ويتشاجرون حتى التقاتل، ويتلاعنون بشدة، ثم يعودون ليقربوا القرابين لعل الملائكة التي فارقت لِحمة يوم حطوا رحالهم على ارضها تعود، لتهديهم الطريق المستقيم.

الدراما التليفزيونية: تسقط المدينة الفاضلة

الموضوع منشورا في موقع "عين على السينما" عبد الرحيم كمال وأخيرا “شهد شاهد من أهلها”، والشاهد هو الرئيس “عبدالفتاح السيسي” شخصيا...